مقامات رمضانية بأسلوب وعظي وتذكير جديد
كما يسرني أن أهديه بحبٍ إلى: بُنيةٍ مهذبة إنسانية، وهيئةٍ لطيفةٍ حانية، ونفسٍ بصيرةٍ ربانية، وروحٍ راقيةٍ روحانية:
على عتبات رمضان:
افتح باباً بيديك، ظاهره بشرى تُزفُ إليك، وباطنه سُعدٌ لنفسك التي بين جنبيك، فظني بك وقد أتيت؛ إلى حوضه وارتويت؛ وما أعرضت ولا توانيت؛ فعليك بما سنسوقه إليك:
في رمضان:
اغسل قلبك بماء التوبة إلى الله، وامسح جدرانه بالعفو عن الآخرين والتسامح منهم وأداء حقوقهم لله، بل زين قلبك بورود المحبة وزهور الصلة والمودة وصفاء الإخاء في الله ولأجل الله.
في رمضان: أصلح مكينة نفسك ليَصلُح مُحَرك آمالك فتصلُحَ جميعُ أحوالك.
في رمضان: أَغلق بوابة الغضب لتأمن الأحقاد، بل عرّض دمك للهواء البارد كي لا تغضب، ثم ازرع أخلاقاً ثمينة غالية، في أرضٍ عالية، ثمارها دانية، تسقى بمعروفٍ مذيبٍ لمنكرٍ في دنيا زائلة.
في رمضان: استعرض فِلْمَ حياتك وشريط أعمالك في شاشة المحاسبة وقنوات الأوقات برموت العزيمة الصادقة ثم احذف منها السيئات وأدخل تردد الطاعات والقربات فـ{ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}.
في رمضان: صم للذي سواك وطيِّب فمك بسواك من أراك و(لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ).
في رمضان: افتح عينيك في كتاب ربك وأغلقها عن المحرمات بل افعل ذلك مع كل جوارحك.
في رمضان: فتش في ملفات الأرحام وقلِّب أوراق الأصحاب وصفحات الأحباب وانفض عنها غبار الهجر فوسائل التواصل لم تدع مجالاً للاعتذار.
في رمضان: كن خير إنسانٍ لإنسان وخير جار لجاره وأخٍ لأخيه وقريبٍ لقريبه و(خيرُكم خيرُكم لأَهلِه).
في رمضان:
تذكر جلساتٍ وهمساتٍ وضحكات، مع أقوامٍ رحلوا وتركوا أثراً ولمسات، فارفع يديك واذرف، دموع عينيك، وادع لهم بالعفو والرحمات، في شهر الخير والبركات.
في رمضان: طِر فرحاً عند مغيب الشمس وتناول تمرات واشرب الزُلال ولا تنس أن تقول: -(ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله) (اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت)- ، وانتظر الفرحة الكبرى فاللقاء يوم اللقاء.
في رمضان: اقصد البَركةَ في السحور ولو برشفة ماء ثم اتكئ على جنبك واعمل بقول الله {وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}.
في رمضان: افطر على ما تشاء مما أباح الله لك وكذلك تسحر؛ شريطة أن يكون عونا لك على قيام بالليل وعبادة بالنهار ولا يصرفنك عن ذلك، فلا إفراط ولا تفريط.
في رمضان: قلها بملئ فيك (إنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ) ، رداً على من يؤذيك و(الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ).
في رمضان: ادفن ذكرَيات الماضي المؤلمة واتركها خلفك ولا تلتفت إليها ودوِّن ذكرَياته الحسنة واستزد منها وعد إليها فالعود أحمدُ والزيادةُ أسعدُ.
في رمضان: اربط حزام الأمان بصلة الرحمن والجود والإحسان واقطع حبائل الشيطان كي تظفر بغفرآنٍ ورضوان، واسأل الله القبول والعتق من النيران.
في رمضان: أقبِل إلى رياضة جسدية وقيادةٍ فكرية ثم حرك ذراعيك في الظلمات وحلق بهما في عنان السماء واستنشق هواءً صافياً نقياً شهيقه عزيمة وزفيره غنيمة وقل يا الله لبيك وسعديك والخير بين يديك، فإنه لا منجى منه ولا ملجأَ إلا إليه.
في رمضان: سينبثق الفجر من بين ليليتين: ليلةُ صيفية يغلبك فيها النعاس ويقول لك الشيطان: نم فإن عليك ليلٌ طويل فاحذر أن تصدقه واحلل عقده واحدةً تلو الأخرى واستعذ بالله منه ، أو ليلةُ شتوية ترتجف فيها أضلاعك ويميل للدفئ جسدك فإياك أن تستسلم بل قوي عزيمتك واكسر حاجز الخوف وثب بحماس وتوضأ، وفي كلا الحالتين تذكر قول حبيبك صلى الله عليه وسلم: (أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟) قالوا بلى يا رسول الله قال: (إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ).
في رمضان: شبك بين أصابع يديك وشد بعضها ببعض ثم ضعمها بين عينيك ثم أخرج منهما قطرات الندم ودموع الألم لترسم طريقاً إلى الله وارفة الظلال.
في رمضان: اُبسط يديك فالمال مال الله (وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ).
في رمضان: إزرع في نفوس المحتاجين بسمة واترك لك في الخير تجاههم بصمة فنعم الأجر من الله، ونعمتِ القسمة، واحذر الظلم والوصمة (فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ).
في رمضان: ضع في مخيلتك أنك اتجهت إلى وجهة صلاتك لتؤدي في كنف ذلك البيت صلاة بمائة ألف صلاة، حينها تذكر قول حبيبك صلى الله عليه وسلم: (عُمْرَةٌ في رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً مَعِي)، فاعقد النية واسأل من الله التيسير فما شيء على الله بعزيز، ومن همَّ شيئاً أدركه.
في رمضان: التفت يميناً صوب الأقصى فهناك هناك اخوة لنا صاموا جياعا وقاموا في العراء يعيشون لياليَ سوداء بل ليلهم ونهارهم سواء يفترشون الأرض ويلتحفون السماء يمشون في وادٍ من الدماء فجعل لهم حظاً وافراً من الدعاء إن قصُرت يمينك عن مد العون والغذاء.
في رمضان: وقد أكلت نصف تفاحتك بنهم ابدأ بتذوق نصفها الآخر لتستمتع بحلاوتها فما أمرَّ الحياة في رمضان بدونها.
في رمضان: اقلب فرشك واعطف غطاءك وشد مئزرك وشمر عن ساعد الجد والإجتهاد فقد دقت ساعة الصفر والجواهر العشر قد اقتربت فكم هو مؤلمٌ ضياعها.
في رمضان: غُص في أعماق بحاره وقبض بيد من حديد على جوهرة نفيسة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم.
في رمضان: هذب روحك بالصيام والصلاة والقيام وطهر نفسك بزكاة الفطر لتسموا إلى منزلةٍ عالية رفيعة بين الأنام.
في رمضان: وطمعاً في دخول باب الريان احتضن حبيبك الراحلُ رمضان بقلبك الخاشع وصدرك الرحب وعيونك الجارية ولسانك الذاكر بل مرِّغ به جبينك فما أقسى لحظات الفراق ويتوب الله على من تاب.
فماذا بعد رمضان:
وبعد جمرة الفراق هيئ نسيم الحب في قلبك وأدفئه بحرارة الشوق لرمضانٍ قادم؛ بل ثبِّت غرس الطاعات بماء الديمومة وتربة الإخلاص وسماد العزيمة، فقليلٌ دائم خير من كثيرٍ منقطع.
بعد رمضان:
إياك أن يذوب جليد الطاعة بحرارة المعصية وإياك أن ينقطع حبل الصلة بالله بسكين الغفلة فالشيطان في وظيفته لا يكل ولا يمل، فاقطع اليأس بسكين الأمل وأسدل الستر بقميص العمل.
بعد رمضان: اجتنب الطرح والقسمة وعليك بالضرب والجمع فستٌ بشهرين وواحد بعشرة والاثنان مع العشرة تساوي اثنى عشر شهرا فـ(مَنْ صَامَ رَمَضَانَ, ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ, كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ)، وفي الزيادة زيادةٌ وريادة في حدود شرِع الله.
بعد رمضان: استمر في نقل الخيط من سورة إلى سورة ومن جزءٍ إلى جزء حتى لا يعلو مصحفَك الغبار ، بل انتقِ من أسبوعك يومين (الإثنين والخميس) ، ورافق الثلاثة من كل شهر ما استطعت، فـ(أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ).
بعد رمضان: أرح نفسك ثم افلُقِ الليل بمصباح الشرف ودرب الصالحين، {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا}.
وختاماً:
تمر الليالي والأيام وما أسرعها، وتنقضي الشهور والأعوام وما أعجلها {يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ}، فأيامٌ كرارة، وأشهرٌ دوارة، وأعوامٌ سيارة، حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ودنيا تمور فيها أمور فرحٌ وترحٌ وهمٌ وسرور {وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ}.
و(الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ).
وأعظم الفلاح:
{إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا}، {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ . فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ}.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته